فصل: تفسير الآية رقم (49)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏49‏]‏

‏{‏تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

‏{‏تِلْكَ‏}‏ إشارة إلى قصة نوح عليه السلام وهي لتقضيها في حكم البعيد، ويحتمل أنه أشير بأداة البعد إلى بعد منزلتها، وقيل‏:‏ إن الإشارة إلى آيات القرآن وليس بذاك؛ وهي في محل الرفع على الابتداء، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مِنْ أَنبَاء الغيب‏}‏ أي بعض أخباره التي لها شأن وكونها بعض ذلك باعتبار أنها على التفصيل لم تبق لطول العهد معلومة لغيره تعالى حتى إن المجوس على ما قيل‏:‏ ينكرونها رأساً، وقيل‏:‏ إن كونها من الغيب لغير أهل الكتاب، وقد ذكر غير واحد أن الغيب قسمان‏:‏ ما لا يتعلق به علم مخلوق أصلاً وهو الغيب المطلق، وما لا يتعلق به علم مخلوق معين وهو الغيب المضاف بالنسبة إلى ذلك المخلوق، وهو مراد الفقهاء في تكفير الحاكم على الغيب، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏نُوحِيهَا‏}‏ خبر ثان لتلك والضمير لها أي موحاة ‏{‏إِلَيْكَ‏}‏ أو هو الخبر، و‏{‏مِنْ أَنْبَاء‏}‏ متعلق به، وفائدة تقديمه نفى أن يكون علم ذلك بكهانة أو تعلم من الغير، والتعبير بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، أو ‏{‏مِنْ أَنْبَاء‏}‏ هو الخبر، وهذا في موضع الحال من ‏{‏أَنْبَاء‏}‏ والمقصود من ذكر كونها موحاة إلجاء قومه صلى الله عليه وسلم للتصديق بنبوته عليه الصلاة والسلام وتحذيرهم مما نزل بالمكذبين، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ‏}‏ خبر آخر أي مجهولة عندك وعند قومك ‏{‏مّن قَبْلِ هذا‏}‏ أي الإيحاء إليك المعلوم مما مر، وقيل‏:‏ أي الوقت، وقيل‏:‏ أي العلم المكتسب بالوحي‏.‏

وفي مصحف ابن مسعود من قبل هذا القرآن ويحتمل أن يكون حالاً من الهاء في ‏{‏نُوحِيهَا‏}‏ أو الكاف من ‏{‏إِلَيْكَ‏}‏ أي غير عالم أنت ولا قومك بها، وذكر القوم معه صلى الله عليه وسلم من باب الترقي كما تقول‏:‏ هذا الأمر لا يعلمه زيد ولا أهل بلده لأنهم مع كثرتهم إذا لم يعلموا ذلك فكيف يعلمه واحد منهم، وقد علم أنه لم يخالط غيرهم‏.‏

‏{‏فاصبر‏}‏ متفرع على الإيحاء أو على العلم المستفاد منه المدلول عليه بما تقدم ‏{‏مّن قَبْلِ هذا‏}‏ أي وإذ قد أوحيناها إليك أو علمتها بذلك فاصبر على مشاق تبليغ الرسالة وأذية قومك كما صبر نوح عليه السلام على ما سمعته من أنواع البلايا في هذه المدة المتطاولة، قيل‏:‏ وهذا ناظر إلى ما سبق من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 12‏]‏ الخ ‏{‏إِنَّ العاقبة‏}‏ بالظفر في الدنيا وبالفوز بالآخرة ‏{‏لّلْمُتَّقِينَ‏}‏ كما سمعت ذلك في نوح عليه السلام وقومه، قيل‏:‏ وهو تعليل للأمر بالصبر وتسلية له صلى الله عليه وسلم، والمراد بالتقوى الدرجة الأولى منها، وجوز أن يراد بها الدرجة الثالثة وهي بذلك المعنى منطوية على الصبر فكأنه قيل‏:‏ فاصبر فإن العاقبة للصابرين، وقيل‏:‏ الآية فذلكة لما تقدم وبيان للحكمة في إيحاء ذلك من إرشاده صلى الله عليه وسلم وتهديد قومه المكذبين له والله تعالى أعلم‏.‏

ومن باب الإشارة في الآيات‏:‏ ‏{‏فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ‏}‏ الخ لما كان مقتضى الطباع البشرية عدم نشاط المتكلم إذا لم يجد محلاً قابلاً لكلامه وضيق صدره من ذلك هيج جل شأنه نشاط نبيه صلى الله عليه وسلم بما أنزل عليه من هذه الآية الكريمة، وقال سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ‏}‏ ولا يخلو الإنذار عن إحدى فائدتين‏:‏ رفع الحجاب عمن وفق وإلزام الحجة لمن خذل ‏{‏والله على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 12‏]‏ فكل الهداية إليه ‏{‏مَن كَانَ يُرِيدُ‏}‏ بعمله الذي هو بظاهره من أعمال الآخرة ‏{‏قَالُواْ لَن‏}‏ كالجاه والمدح ‏{‏نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ‏}‏ أي جزاءها فيها إن شئنا ‏{‏وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 15‏]‏ أي لا ينقصون شيئاً منها ‏{‏أُوْلَئِكَ الذين لَيْسَ لَهُمْ فِى الاخرة إِلاَّ النار‏}‏ لتعذب قلوبهم بالحجب الدنيوية ‏{‏وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 16‏]‏ من أعمال البر فلم ينتفعوا بها، وجاء «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى» الحديث ‏{‏أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ‏}‏ أي يقين برهاني عقلي أو وجداني كشفي ‏{‏وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ‏}‏ وهو القرآن المصدق لذلك، ومن هنا تؤيد الأدلة العقلية بالآيات النقلية القرآنية‏.‏ ويحكم بكون الكشف صحيحاً إذا شهدت له ووافقته، ولذا قالوا‏:‏ كل كشف خالف ما جاء عن الله تعالى ليس بمعتبر ‏{‏وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى‏}‏ أي يتبع البرهان من قبل هذا الكتاب كتاب موسى عليه السلام في حالة كونه ‏{‏إِمَاماً‏}‏ يؤتم به في تحقيق المطالب ‏{‏وَرَحْمَةً‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 17‏]‏ لمن يهتدي به، وهذا وجه في الآية ذكره بعضهم، وقد قدمنا ما فيها من الاحتمالات؛ وقد ذكروا أن المراد بيان بعدما بين مرتبتي من يريد الحياة الدنيا ومن هو على بينة من ربه‏.‏

وللصوفية قدست أسرارهم عبارات شتى في البينة فقال رويم‏:‏ هي الإشراف عن القلوب والحكم على الغيوب، وقال سيد الطائفة‏:‏ هي حقيقة يؤيدها ظاهر العلم، وقيل‏:‏ غير ذلك، وعن أبي بكر بن طاهر أن من كان على بينة من ربه كانت جوارحه وقفاً على الطاعات والموافقات ولسانه مشغولاً بالذكر ونشر الآلاء والنعماء وقلبه منوراً بأنوار التوفيق وضياء التحقيق وسره وروحه مشاهدين للحق في جميع الأوقات وكان عالماً بما يبدو من مكنون الغيوب ورؤيته يقين لا شك فيه وحكمه على الخلق كحكم الحق لا ينطق إلا بالحق ولا يرى إلا الحق لأنه مستغرق به فأنى يرى سواه

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 18‏]‏ الخ جعله بعضهم إشارة إلى المثبتين لغيره سبحانه وجوداً وهم أهل الكثرة والحجاب، وفسر الإشهاد بالموحدين الذين لا يشهدون في الدار غيره سبحانه دياراً‏.‏

ومن الناس من عكس الأمر وجعلها رداً على أهل الوحدة القائلين‏:‏ إن كل ما شاهدته بعينك أو تصورته بفكرك فهو الله سبحانه بمعنى كفر النصارى إيمان بالنسبة إليه وحاشا أهل الله تعالى من القول به على ما يشعر به ظاهره، ومنهم من جعلها مشيرة إلى حال من يزعم أنه ولي الله ويتزيا بزي السادات ويتكلم بكلماتهم وهو في الباطن أفسق من فرد وأجهل من حمار تومه ‏{‏مَثَلُ الفريقين كالاعمى والاصم والبصير والسميع‏}‏ قيل‏:‏ ‏{‏البصير‏}‏ من عاين ما يراد به وما يجري له وعليه في جميع أوقاته ‏{‏والسميع‏}‏ من يسمع ما يخاطب به من تقريع وتأديب وحث وندب لا يغفل عن الخطاب في حال من الأحوال، وقيل‏:‏ ‏{‏البصير‏}‏ الناظر إلى الأشياء بعين الحق فلا ينكر شيئاً ولا يتعجب من شيء ‏{‏والسميع‏}‏ من يسمع من الحق فيميز الإلهام من الوسواس، وقيل‏:‏ ‏{‏البصير‏}‏ هو الذي يشهد أفعاله بعلم اليقين وصفاته بعين اليقين وذاته بحق اليقين فالغائبات له حضور والمستورات له كشف ‏{‏والسميع‏}‏ من يسمع من دواعي العلم شرعاً، ثم من خواطر التعريف قدراً، ثم يكاشف بخطاب من الحق سراً، وقيل‏:‏ وقيل‏:‏ ‏{‏السميع‏}‏ من لا يسمع إلا كلام حبيبه، و‏{‏البصير‏}‏ من لا يشاهد إلا أنواره فهو في ضيائها ليلاً ونهاراً، وإلى هذا يشير قول قائلهم‏:‏

ليلي من وجهك شمس الضحى *** وإنما السدفة في الجو

الناس في الظلمة من ليلهم *** ونحن من وجهك في الضو

وفسر كل من الأعمى والأصم بضد ما فسر به ‏{‏البصير والسميع‏}‏ والمراد من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هَلْ يَسْتَوِيَانِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 24‏]‏ أنهما لا يستويان لما بينهما من التقابل والتباعد إلى حيث لا تتراءى ناراهما، ثم إنه تعالى ذكر من قصة نوح عليه السلام مع قومه ما فيه إرشاد وتهديد وعظة ما عليها مزيد ‏{‏فَقَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ‏}‏ أي الأشراف المليؤون بأمور الدنيا الذي حجبوا بما هم فيه عن الحق ‏{‏مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا‏}‏ لكونهم واقفين عند حد العقل المشوب بالوهم فلا يرون لأحد طوراً وراء ما بلغوا إليه ولم يشعروا بمقام النبوة ومعناها ‏{‏وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى‏}‏ وصفوهم بذلك لفقرهم حيث كانوا لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ولم يعلموا أن الشرف بالكمال لا بالمال‏.‏

‏{‏وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ‏}‏ وتقدم يؤهلكم لما تدعونه ‏{‏بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين‏}‏

‏[‏هود‏:‏ 27‏]‏ فلا نبوة لك ولا علم لهم ‏{‏قَالَ يَاءادَمُ قَوْمٌ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى‏}‏ يجب عليكم الإذعان بها ‏{‏قَالَ ياقوم‏}‏ هداية خاصة كشفية متعالية عن درجة البرهان ‏{‏مّنْ عِندِهِ‏}‏ فوق طور عقولكم من العلوم اللدنية ومقام النبوة ‏{‏فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ‏}‏ لاحتجابكم بالظاهر عن الباطن وبالخليقة عن الحقيقة ‏{‏أَنُلْزِمُكُمُوهَا‏}‏ ونجبركم عليها ‏{‏وَأَنتُمْ لَهَا كارهون‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 28‏]‏ لا تلتفتون إليها كأنه عليه السلام أراد أنه لا يكون إلزام ذلك مع الكراهة لكن إن شئتم تلقيه فزكوا أنفسكم واتركوا إنكاركم حتى يظهر عليكم أثر نور الإرادة فتقبلوا ذلك، وفيه إشارة إلى أن المنكر لا يمكن له الاستفاضة من أهل الله تعالى ولا يكاد ينتفع بهم ما دام منكراً ومن لم يعتقد لم ينتفع ‏{‏كارهون وياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً‏}‏ أي ليس لي مطمح في شيء من أموالكم التي ظننتم أن الشرف بها ‏{‏إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله‏}‏ فهو يثيبني بما هو خير وأبقى ‏{‏وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ إِنَّهُمْ ملاقوا رَبّهِمْ‏}‏ أي إنهم أهل الزلفى عنده تعالى وهم حمائم أبراج الملكوت وبزاة معارج الجبروت ‏{‏ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 29‏]‏ تسفهون عليهم وتؤذونهم ‏{‏تَجْهَلُونَ وياقوم مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ‏}‏ كما تريدون وهم بتلك المثابة ‏{‏أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 30‏]‏ لتعرفوا التماس طردهم ضلال، وفيه إشارة إلى أن الإعراض عن فقراء المؤمنين مؤد إلى سخط رب العالمين‏.‏

قال أبو عثمان‏:‏ في الآية ‏{‏مَا أَنَاْ‏}‏ بمعرض عمن أقبل على الله تعالى، فإن من أقبل على الله تعالى بالحقيقة أقبل الله تعالى عليه، ومن أعرض عمن أقبل الله تعالى عليه فقد أعرض عن الله سبحانه ‏{‏وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله‏}‏ الخ أي أنا لا أدعي الفضل بكثرة المال ولا بالاطلاع على الغيب ولا بالملكية حتى تنكروا فضلي بفقدان ذلك وبمنافاة البشرية لما أنا عليه ‏{‏وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ‏}‏ تنظرون إليهم بعين الحقارة ‏{‏لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا‏}‏ كما تقولون أنتم إذ الخير عندي ما عند الله تعالى لا المال ‏{‏الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ‏}‏ من الخير مني ومنكم وهو أعلم بقدرهم وخطرهم ‏{‏إِنّى إِذاً‏}‏ أي إذ نفيت ‏{‏لَّمِنَ الظالمين‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 31‏]‏ مثلكم ‏{‏واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا‏}‏ قيل‏:‏ فيه إشارة إلى عين الجمع المشار إليه بخبر «لا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل» الحديث‏.‏

وقيل‏:‏ أي كن في أعين رعايتنا وحفظنا ولا تكن في رؤية عملك والاعتماد عليه، فإن من نظر إلى غيري احتجب به عني، وقال بعضهم‏:‏ أي أسقط عن نفسك تدبيرك واصنع ما أنت صانع من أفعالك على مشاهدتنا دون مشاهدة نفسك أو أحد من خلقي، وقيل‏:‏ أي اصنع الفلك ولا تعتمد عليه فإنك بأعيننا رعاية وكلاءة فإن اعتمدت على الفلك وكلت إليه وسقطت من أعيننا

‏{‏وَلاَ تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 37‏]‏ فيه إشارة إلى رقة قلبه عليه السلام بعد احتمال جفوتهم وأذيتهم، وهكذا شأن الصديقين، والكلام في باقي الآية ظاهر، ولا يخفى أنه يجب الإيمان بظاهرها والتصديق بوقوع الطوفان حسبما قص الله سبحانه وإنكار ذلك كفر صريح، لكن ذكر بعض السادة أنه بعد الإيمان بذلك يمكن احتمال التأويل على أنه حظ الصوفي من الآية وذلك بأن يؤول الفلك بشريعة نوح التي نجا بها هو ومن آمن معه، والطوفان باستيلاء بحر الهيولى وإهلاك من لم يتجرد عنها بمتابعة نبي وتزكية نفس كما جاء في مخاطبات إدريس عليه السلام لنفسه ما معناه إن هذه الدنيا بحر مملوء ماءاً فإن اتخذت سفينة تركبها عند خراب البدن نجوت منها إلى عالمك وإلا غرقت فيها وهلكت، وعلى هذا يقال‏:‏ معنى ‏{‏وَيَصْنَعُ الفلك‏}‏ يتخذ شريعة من ألواح الأعمال الصالحة ودسر العلوم تنتظم بها الأعمال وتحكم ‏{‏وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ‏}‏ كما هو المشاهد في أرباب الخلاعة الممطتين غارب الهوى يسخرون من المتشرعين المتقيدين بقيود الطاعة ‏{‏قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا‏}‏ بجهلكم ‏{‏فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ‏}‏ عند ظهور وخامة عاقبتكم ‏{‏كَمَا تَسْخَرُونَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 38‏]‏ ‏{‏فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ عند ذلك ‏{‏مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ‏}‏ في الدنيا من حلول ما لا يلائم غرضه وشهوته ‏{‏وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 39‏]‏ في الآخرة من استيلاء نيران الحرمان وظهور هيئات الرذائل المظلمة ‏{‏حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا‏}‏ بإهلاك أمته ‏{‏وَفَارَ النور‏}‏ باستيلاء الأخلاط الفاسدة والرطوبات الفضلية على الحرارة الغريزية وقوة طبيعة ماء الهيولى على نار الروح الحيوانية، أو ‏{‏أَمْرُنَا‏}‏ بإهلاكهم المعنوي ‏{‏وَفَارَ التنور‏}‏ باستيلاء ماء هوى الطبيعة على القلب وإغراقه في بحر الهيولى الجسماني ‏{‏قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ‏}‏ أي من كل صنفين من نوع اثنين هما صورتاهما النوعية والصنفية الباقيتان عند فناء الأشخاص‏.‏

ومعنى حملهما فيها علمه ببقائهما مع بقاء الأرواح الإنسية فإن علمه جزء من السفينة المتركبة من العلم والعمل فمعلوميتهما محموليتهما وعالميته بهما حامليته إياهما فيها ‏{‏وَأَهْلَكَ‏}‏ ومن يتصل بك في سيرتك من أقاربك ‏{‏إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول‏}‏ أي الحكم بإهلاكه في الأزل لكفره ‏{‏وَمَنْ ءامَنَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 40‏]‏ من أمتك ‏{‏وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا‏}‏ أي بسم الله تعالى الأعظم الذي هو وجود كل عارف كامل من أفراد نوع الإنسان إجراء أحكامها وترويجها في بحر العالم الجسماني وإثباتها وأحكامها كما ترى من إجراء كل شريعة وأحكامها بوجود الكامل ممن ينسب إليها ‏{‏إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ‏}‏ لهيآت نفوسكم البدنية المظلمة وذنوب ملابس الطبيعة المهلكة إياكم المغرقة في بحرها وذلك بمتابعة الشريعة

‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 41‏]‏ بإفاضة المواهب العلمية والكشفية والهيآت النورانية التي ينجيكم بها ‏{‏وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ‏}‏ من بحر الطبيعة الجسمانية ‏{‏كالجبال‏}‏ الحاجبة للنظر المانعة من السير وهم لا يبالون بذلك محفوظون من أن يصيبهم شيء من ذلك الموج، وهذا الجريان يعرض للسالك في ابتداء أمره ولولا أنه محفوظ في لزوم سفينة الشرع لهلك‏.‏

ولعل في الآية على هذا تغليباً ‏{‏ونادى نُوحٌ ابنه‏}‏ المحجوب بالعقل المشوب بالوهم ‏{‏وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ‏}‏ لذلك الحجاب عن الدين والشريعة ‏{‏مَعْزِلٍ يابنى اركب مَّعَنَا‏}‏ أي ادخل في ديننا ‏{‏وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 42‏]‏ المحجوبين الهالكين بأمواج هوى النفس المغرقين في بحر الطبع ‏{‏قَالَ سَاوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء‏}‏ أي سألتجىء إلى الدماغ وأستعصم بالعقل المشرق هناك ليحفظني من استيلاء بحر الهيولى فلا أغرق فيه ‏{‏قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ‏}‏ وهو الله الذي رحم أهل التوحيد وأفاض عليهم من شآبيب لطفه ما عرفوا به دينه الحق ‏{‏وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج‏}‏ أي موج هوى النفس واستيلاء ماء بحر الطبيعة وحجب عن الحق ‏{‏فَكَانَ مِنَ المغرقين‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 43‏]‏ في بحر الهيولى الجسمانية، وقيل‏:‏ من جهة الحق على لسان الشرع لأرض الطبيعة ‏{‏وَقِيلَ ياأرض ابلعى مَاءكِ‏}‏ وقفي على حد الاعتدال، ولسماء العقل المحجوبة بالعادة والحس المشوبة بالوهم المغيمة بغيم الهوى ‏{‏مَاءكِ وياسماء أَقْلِعِى‏}‏ عن إمداد الأرض ‏{‏وَغِيضَ الماء‏}‏ أي ماء قوة الطبيعة الجسمانية ومدد الرطوبة الحاجبة لنور الحق المانعة للحياة الحقيقية ‏{‏وَقُضِىَ الامر‏}‏ بإنجاء من نجا وإهلاك من هلك ‏{‏واستوت‏}‏ أي سفينة شريعته ‏{‏على‏}‏ وهو جبل وجود نوح ‏{‏الجودى وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ الظالمين‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 44‏]‏ الذين عبدوا الهوى دون الحق ووضعوا الطبيعة مكان الشريعة ‏{‏وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 45‏]‏ الخ الكلام على هذا الطرز فيه ظاهر ‏{‏قِيلَ يانوح نُوحٌ‏}‏ من محل الجمع وذروة مقام الولاية والاستغراق في التوحيد إلى مقام التفصيل وتشريع النبوة بالرجوع إلى الخلق ومشاهدة الكثرة في عين الوحدة غير معطل للمراتب ‏{‏اهبط بسلام مّنَّا‏}‏ أي سلامة عن الاحتجاب بالكثرة ‏{‏وبركات‏}‏ من تقنين قوانين الشرع ‏{‏عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ‏}‏ ناشئة ‏{‏مّمَّن مَّعَكَ‏}‏ على دينك إلى آخر الزمان ‏{‏وَأُمَمٌ‏}‏ أي وينشأ ممن معك أمم ‏{‏سَنُمَتّعُهُمْ‏}‏ في الدنيا ‏{‏ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا‏}‏ في العقبى ‏{‏عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 48‏]‏ بإحراقهم بنار الآثار وتعذيبهم بالهيآت المظلمة‏.‏

هذا ثم ذكر أنه إذا شئت التطبيق على ما في الأنفس أولت نوحاً بروحك‏.‏ والفلك بكمالك العلمي والعملي الذي به نجاتك عند طوفان بحر الهيولى‏.‏ والتنور بتنور البدن‏.‏ وفورانه استيلاء الرطوبة الغريبة والأخلاط الفاسدة، وما أشار إليه

‏{‏مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 40‏]‏ بجيوش القوى الحيوانية والطبيعية وطيور القوى الروحانية، وأولت ما جاء في القصة من البنين الثلاثة‏.‏ والزوجة بحام القلب‏.‏ وسام العقل النظري‏.‏ ويافث العقل العملي‏.‏ وزوجة النفس المطمئنة‏.‏ والابن الآخر الوهم‏.‏ والزوجة الأخرى الطبيعة الجسمانية التي يتولد منها الوهم‏.‏ والجبل بالدماغ‏.‏ واستواءها على الجودي وهبوطه بمثل نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان انتهى، ومن نظر بعين الإنصاف لم يعول إلا على ظاهر القصة وكان له به غنى عن هذا التأويل، واكتفى بما أشار إليه من أن النسب إذا لم يحط بالصلاح كان غريقاً في بحر العدم‏.‏

فما ينفع الأصل من هاشم *** إذا كانت النفس من باهله

ومن أنه ينبغي للإنسان التحري بالدعاء وأن لا تشغله الشفقة عن ذلك إلى غير ما ذكر، والآية نص في كفر قوم نوح عليه السلام الذين أغرقهم الله تعالى، وفي نصوص الحكم للشيخ الأكبر قدس سره ما هو نص في إيمانهم ونجاتهم من العذاب يوم القيامة وذلك أمر لا نفهمه من كتاب ولا سنة ‏{‏وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ‏}‏ والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏50‏]‏

‏{‏وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ‏(‏50‏)‏‏}‏

‏{‏وإلى عَادٍ‏}‏ متعلق بمحذوف معطوف على قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَرْسَلْنَا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 25‏]‏ في قصة نوح وهو الناصب لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أخاهم‏}‏ أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحداً منهم في النسب كقولهم‏:‏ يا أخا العرب، وقدم المجرور ليعود الضمير عليه، وقيل‏:‏ إن ‏{‏إلى عَادٍ أَخَاهُمْ‏}‏ عطف على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نُوحاً إلى قَوْمِهِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 25‏]‏ المنصوب على المنصوب‏.‏ والجار والمجرور على الجار والمجرور، وهو من العطف على معمولي عامل واحد وليس من المسألة المختلف فيها، نعم الأول أقرب كما في «البحر» لطول الفصل بالجمل الكثيرة بين المفردات المتعاطفة، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هُودًا‏}‏ عطف بيان لأخاهم وجوز أن يكون بدلاً منه وكان عليه السلام ابن عم أبي عاد وأرسل إليه من هو منهم ليكون ذلك أدعى إلى اتباعه ‏{‏قَالَ‏}‏ استئناف بياني حيث كان إرساله عليه السلام مظنة للسؤال عما قال لهم ودعاهم كأنه قيل‏:‏ فما قال لهم حين أرسل إليهم‏؟‏ فقيل‏:‏ قال‏:‏ ‏{‏عَلَيْهِ قَوْمٌ‏}‏ ناداهم بذلك استعطافاً لهم، وقرأ ابن محيصن ‏{‏عَلَيْهِ قَوْمٌ‏}‏ بالضم وهي لغة في المنادى المضاف إلى الياء حكاها سيبويه‏.‏ وغيره ‏{‏اعبدوا الله‏}‏ أي وحده وكانوا مشركين يعبدون الأصنام؛ ويدل على أن المراد ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ‏}‏ فإنه استئناف يجري مجرى البيان للعبادة المأمور بها، والتعليل للأمر بها كأنه قيل‏:‏ أفردوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئاً إذ ليس لكم إله غيره سبحانه على أنه لا اعتداد بالعبادة مع الإشراك، فالأمر بها يستلزم الأمر بإفراده سبحانه بها و‏{‏غَيْرُهُ‏}‏ بالرفع صفة لإله باعتبار محله لأنه فاعل للظرف لاعتماده على النفي، وقرأ الكسائي بالجر على أنه صفة له جار على لفظه ‏{‏إِنْ أَنتُمْ‏}‏ ما أنتم بجعلكم الألوهية لغيره تعالى كما قال الحسن أو بقولكم‏:‏ إن الله تعالى أمرنا بعبادة الأصنام ‏{‏إِلاَّ مُفْتَرُونَ‏}‏ عليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏51‏]‏

‏{‏يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏51‏)‏‏}‏

‏{‏مُفْتَرُونَ ياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الذى فَطَرَنِى‏}‏ خاطب به كل رسول قومه إزاحة لما عسى أن يتوهموه وتمحيضاً للنصيحة فإنها ما دامت مشوبة بالمطامع بمعزل عن التأثير؛ وإيراد الموصول للتفخيم، وجعل الصلة فعل الفطر الذي هو الإيجاد والإبداع لكونه أبعد من أن يتوهم نسبته إلى شركائهم ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والارض لَيَقُولُنَّ الله‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 25‏]‏ مع كونه أقدم النعم الفائضة من جناب الله تعالى المستوجبة للشكر الذي لا يتأتى إلا بالجريان على موجب أمره سبحانه الغالب معرضاً عن المطالب الدنيوية التي من جملتها الأجر، ولعل فيه إشارة إلى أنه عليه السلام غني عن أجرهم الذي إنما يرغب فيه للاستعانة به على تدبير الحال وقوام العيش بالله تعالى الذي أوجده بعد أن لم يكن وتكفل له بالرزق كما تكفل لسائر من أوجده من الحيوانات ‏{‏أَفَلاَ تَعْقِلُونَ‏}‏ أي أتغفلون عن ذلك فلا تعقلون نصيحة من لا يطلب عليها أجراً إلا من الله تعالى ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك فتنقادون لما يدعوكم إليه؛ أو تجهلون كل شيء فلا تعقلون شيئاً أصلاً فإن الأمر مما لا ينبغي أن يخفى على أحد من العقلاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏52‏]‏

‏{‏وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ‏(‏52‏)‏‏}‏

‏{‏إِسْرَاراً فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ‏}‏ من الشرك ‏{‏ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ‏}‏ أي ارجعوا إليه تعالى بالطاعة أو توبوا إليه سبحانه وأخلصوا التوبة واستقيموا عليها، وقيل‏:‏ الاستغفار كناية عن الإيمان لأنه من روادفه، وحيث أن الإيمان بالله سبحانه لا يستدعي الكفر بغيره لغة قيل‏:‏ ‏{‏ثُمَّ تُوبُواْ‏}‏ فكأنه قيل‏:‏ آمنوا به ثم توبوا إليه تعالى من عبادة غيره، وتعقب بأن قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏اعْبُدُواْ الله‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 50‏]‏ دل على اختصاصه تعالى بالعبادة فلو حمل ‏{‏استغفروا‏}‏ على ما ذكر لم يفد فائدة زائدة سوى ما علق عليه، وقد كان يمكن تعليقه بالأول، والحمل على غير الظاهر مع قلة الفائدة مما يجب الاحتراز عنه في كلام الله تعالى المعجز، وقيل‏:‏ المراد بالاستغفار التوبة عن الشرك وبالتوبة التوبة عما صدر منهم غير الشرك، وأورد عليه أيضاً أن الإيمان يحبّ ما قبله، وقيل‏:‏ المراد بالأول طلب المغفرة بالإيمان‏.‏ وبالثاني التوسل إليه سبحانه بالتوبة عن الشرك، وأورد عليه أن التوسل المذكور لا ينفك عن طلب المغفرة بالإيمان لأنه من لوازمه فلا يكون بعده كما تؤذن به ‏{‏ثُمَّ‏}‏ وقيل‏:‏ وقيل وقد تقدم بعض الكلام في ذلك أول السورة‏.‏

‏{‏يُرْسِلِ السماء‏}‏ أي المطر كما في قوله‏:‏ إذا ‏(‏نزل السماء‏)‏‏}‏ بأرض قوم *** رعيناه وإن كانوا غضابا ‏{‏عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً‏}‏ كثير الدر متتابعة من غير إضرار فمفعال للمبالغة كمعطار‏.‏ ومقدام‏.‏

‏{‏وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ‏}‏ أي عزاً مضموماً إلى عزكم أو مع عزكم ويرجع هذا إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 12‏]‏ لأن العز الدنيوي بذلك، وعن الضحاك تفسير القوة بالخصب، وعن عكرمة تفسيرها بولد الولد، وقيل‏:‏ المراد بها قوة الجسم، ورغبهم عليه السلام بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات، وقيل‏:‏ حبس الله تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين فوعدهم هود عليه السلام على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار وتضاعف القوة بالتناسل، وقيل‏:‏ القوة الأولى في الإيمان‏.‏ والثانية في الأبدان أي يزدكم قوة في إيمانكم إلى قوة في أبدانكم ‏{‏وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ‏}‏ أي لا تعرضوا عما دعوتكم إليه ‏{‏مُّجْرِمِينَ‏}‏ مصرين على ما أنتم عليه من الإجرام، وقيل‏:‏ مجرمين بالتولي وهو تكلف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏53‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ يأَبَانَا هُودٍ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ‏}‏ أي بحجة واضحة تدل على صحة دعواك، وإنما قالوه لفرط عنادهم أو لشدة عماهم عن الحق وعدم نظرهم في الآيات فاعتقدوا أن ما هو آية ليس بآية وإلا فهو وغيره من الأنبياء عليهم السلام جاؤوا بالبينات الظاهرة والمعجزات الباهرة وإن لم يعين لنا بعضها، ففي الخبر «ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا‏}‏ أي بتاركي عبادتها ‏{‏عَن قَوْلِكَ‏}‏ أي بسبب قولك المجرد عن البينة فعن للتعليل كما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 114‏]‏ وإلى هذا يشير كلام ابن عطية‏.‏ وغيره، فالجار والمجرور متعلق ‏{‏بِتَارِكِى‏}‏‏.‏

وذهب بعض المحققين إلى أنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستتر فيه أي صادرين وهو من الصدر مقابل الورد بمعنى الرجوع عن الماء، وقد شاع في كلامهم استعمال الصدر والورد كناية عن العمل والتصرف، ومنه قوله‏:‏ ما أمس الزمان حاجاً إلى من *** يتولى الإيراد والإصدارا

أي يتصرف في الأمور بصائب رأيه، وقد يكتفي بالصدر في ذلك لاستلزامه للورد فيقولون‏:‏ لا يصدر إلا عن رأيه، والمعنى هنا حينئذٍ ما نحن ‏{‏قَالُواْ ياهود‏}‏ عاملين بقولك، والنفي فيه راجع إلى القيد والمقيد جميعاً لأنهم لا يتركون آلهتهم ولا يعملون بقوله عليه السلام، وقيل‏:‏ إن صادرين بمعنى معرضين وهو قيد للنفي، والمعنى انتفى تركنا عبادة آلهتنا معرضين ‏{‏عَن قَوْلِكَ‏}‏ ويكون هذا جواباً لقوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَتَوَلَّوْاْ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 52‏]‏ وجعل بعضهم إرادة ذلك من باب التضمين لا من باب تقدير المتعلق بقرينة ‏{‏عَنْ‏}‏ وجعله كناية كما علمت، وكلام الزمخشري ظاهر في هذا كما يكشف عنه كلام الكشف ‏{‏وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ‏}‏ أي بمصدقين فيما جئت به أو في كل ما تأتي وتذر، ويندرج فيه ذلك، وقد بالغوا في الإباء عن الإجابة فأنكروا الدليل على نبوته عليه السلام، ثم قالوا مؤكدين لذلك ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى‏}‏ الخ، ثم كرروا ما دل عليه الكلام السابق من عدم إيمانهم بالجملة الاسمية مع زيادة الباء، وتقديم المسند إليه المفيد للتقوى دلالة على أنهم لا يرجى منهم ذلك بوجه من الوجوه، وفي ذلك من الدلالة على الإقناط ما فيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏54‏]‏

‏{‏إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ‏(‏54‏)‏‏}‏

‏{‏إِن نَّقُولُ إِلاَّ‏}‏ أي أصابك من عراه يعروه، وأصله من اعتراه بمعنى قصد عراه أي محله وناحيته ‏{‏اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء‏}‏ أرادوا به قاتلهم الله تعالى الجنون، والباء للتعدية والتنكير فيه قيل‏:‏ للتقليل كأنهم لم يبالغوا في العتو كما ينبىء عنه نسبة ذلك إلى بعض آلهتهم دون كلها، وقيل‏:‏ للتكثير إشارة إلى أن ما قاله لا يصدر إلا عمن أصيب بكثير سوء مبالغة في خروجه عن قانون العقل، وذكر البعض تعظيماً لأمر آلهتهم وأن البعض منها له من التأثير ما له، والجملة مقول القول وإلا لغو لأن الاستثناء مفرغ، وأصله أن نقول قولاً إلا قولنا هذا فحذف المستثنى منه وحذف القول المستثنى وأقيم مقوله مقامه، أو ‏{‏اعتراك‏}‏ هو المستثنى لأنه أريد به لفظه فلا حاجة إلى تقدير قول بعد ‏{‏إِلا‏}‏ وليس مما استثنى فيه الجملة، ومعنى هذا أنه أفسد عقلك بعض آلهتنا لسبك إياها وصدك عن عبادتها وحطك لها عن رتبة الألوهية بما مر من قولك‏:‏ ‏{‏مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 50‏]‏ وغرضهم من هذا على ما قيل‏:‏ بيان سبب ما صدر عن هود عليه السلام بعد ما ذكروا من عدم التفاتهم لقوله عليه السلام، وقيل‏:‏ هو مقرر لما مر من قولهم‏:‏ ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى‏}‏ الخ ‏{‏وَمَا نَحْنُ لَكَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 53‏]‏ الخ فإن اعتقادهم بكونه عليه السلام كما قالوا وحاشاه عن ذلك يوجب عدم الاعتداد بقوله، وعده من قبيل الخرافات فضلاً عن التصديق والعمل بمقتضاه يعنون أنا لا نعتقد كلامك إلا ما لا يحتمل الصدق من الهذيانات الصادرة عن المجانين فكيف نؤمن به ونعمل بموجبه‏؟‏ا ولقد سلكوا طريق المخالفة والعناد إلى سبيل الترقي من السيء إلى الأسوأ حيث أخبروا أولاً عن عدم مجيئه بالبينة مع احتمال كون ما جاء به حجة في نفسه وإن لم تكن واضحة الدلالة على المراد‏.‏ وثانياً عن ترك الامتثال لقوله عليه السلام‏:‏ بقولهم‏:‏ ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 53‏]‏ مع إمكان تحقق ذلك بتصديقهم له في كلامه‏.‏ ثم نفوا عنه تصديقهم له عليه السلام بقولهم‏:‏ ‏{‏وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 53‏]‏ مع كونه كلامه عليه السلام مما يقبل التصديق، ثم نفوا عنه تلك المرتبة أيضاً حيث قالوا ما قالوا قاتلهم الله أنى يؤفكون انتهى‏.‏

وللبحث فيه مجال، ولعل الإتيان بهذه الجملة غير مقترنة بالعاطف كالجملتين الأوليين يؤيد كونها ليست مسوقة للتأكيد مثلهما، نعم تضمنها لتقرير ما تقدم مما لا يكاد ينكر فتدبر‏.‏

‏{‏قَالَ إِنِى أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏55‏]‏

‏{‏مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ‏(‏55‏)‏‏}‏

‏{‏مِن دُونِهِ‏}‏ أي مما أنتم تجعلونه شريكاً وهو سبحانه لم يجعله شريكاً ولم ينزل به سلطاناً فما موصولة، و‏{‏مِن دُونِهِ‏}‏ متعلق بتشركون لا حال من فاعله أي تشركون مجاوزين الله تعالى في هذا الحكم إذ لا فائدة في التقييد به، وجوز أن تكون مصدرية أيضاً أي من إشراككم، وقد جوز كلا الاحتمالين الزمشري فقال‏:‏ أي من إشراككم آلهة من دونه أو مما تشركونه آلهة من دونه وأمر تعلق الجار فيهما واح، وتقدير آلهة لإيضاح المعنى والإشارة إلى أن المفعول مراد لسوق الكلام ولا يصلح أن يكون الظرف صفة له على الوجهين لأن بيانه حاصلهما بنحو ما ذكرناه في بيان حاصل الأول إنما يستقيم إذا تعلق بالفعل المذكور وليس المعنى على آلهة غير الله على ذلك التفسير، وللطيبي ما يخالف ذلك وليس بذاك، ‏{‏وَإِنّى بَرِىء‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 54‏]‏ متنازع فيه للفعلين قبله وقد يتنازع المختلفان في التعدي الاسم الذي يكون صالحاً لأن يعملا فيه تقول‏:‏ أعطيت ووهبت لعمرو درهماً كما يتنازع اللازم والمتعدي نحو قام وضربت زيداً‏.‏

وقد أجاب عليه السلام بهذا عن مقالتهم الشنعاء المبنية على اعتقاد كون آلهتهم تضر وتنفع، ولما كان ما وقع أولاً منه عليه السلام في حقها من كونها بمعزل عن الألوهية إنما وقع إنما وقع في ضمن الأمر بعبادة الله تعالى واختصاصه بها وقد شق ذلك عليهم وعدّوه مما يورث شيناً حتى زعموا ما زعموا صرح عليه السلام بالحق وصدع به حيث أخبر ببراءته القديمة عنها بالجملة الاسمية المصدرة بأن وأكد ذلك بأشهد الله فإنه كالقسم في إفادة التأكيد وأمرهم بأن يسمعوا ذلك ويشهدوا به، والمقصود منه الاستهانة والاستهزاء كما يقول الرجل لخصمه إذا لم يبال به‏:‏ أشهد على أني قائل لك كذا، وكأنه غاير بين الشهادتين لذلك، وعطف الإنشاء على الأخبار جائز عند بعض، ومن لم يجوزه قدر قولاً أي وأقول ‏{‏اشهدوا‏}‏ ويحتمل أن يكون إشهاد الله تعالى إنشاء أيضاً وإن كان في صورة الخبر، وحينئذٍ لا قيل ولا قال، وجوز أن يكون إشهاده عليه السلام لهم حقيقة إقامة للحجة عليهم‏.‏

وعدل عن الخبر فيه تمييزاً بين الخطابين فهو خبر في المعنى كما هو المشهور في الأول لكن الأولى الحمل على المجاز، ثم أمرهم بالاجتماع والاحتشاد مع آلهتهم جميعاً دون بعض منها حسبما يشعر به قولهم ‏{‏بَعْضُ ءالِهَتِنَا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 54‏]‏ والتعاون في إيصال الكيد إليه عليه السلام، ونهاهم عن الإنظار والإمهال في ذلك فقال‏:‏

‏{‏فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ‏}‏ أي إن صح ما لو حتم به من كون آلهتكم مما يقدرون على إضرار من ينال منها ويصد عن عبادتها ولو بطريق ضمني فإني برىء منها فكونوا أنتم معها جميعاً وباشروا كيدي ثم لا تمهلوني ولا تسامحوني في ذلك، فالفاء لتفريع الأمر على زعمهم من قدرة آلهتهم على ما قالوا وعلى البراءة كليهما، والخطاب للقوم وآلهتهم، ويفهم من كلام بعض أنه للقوم فقط، وفيه نفي قدرة آلهتهم على ضره بطريق برهاني فإن الأقوياء الأشداء إذا لم يقدروا مع اجتماعهم واحتشادهم على الضر كان عدم قدرة الجمادات عليه معلوماً من باب أولى، وأياً مّا كان فذاك من أعظم المعجزات بناءاً على ما قيل‏:‏ إنه كان عليه السلام مفرداً بين جمع عتاة جبابرة عطاش إلى إراقة دمه يرمونه عن قوس واحدة، وقد خاطبهم بما خاطبهم وحقرهم وآلهتهم وهيجهم على ما هيجهم فلم يقدروا على مباشرة شيء مما كلفوه، وظهر عجزهم عن ذلك ظهوراً بيناً، وفي ذلك دلالة على مزيد ثقته بالله سبحانه وكمال عنايته به وعصمته له، وقد قرر ذلك بإظهار التوكل على من كفاه ضرهم في قوله‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏56‏]‏

‏{‏إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏56‏)‏‏}‏

‏{‏إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبّى وَرَبّكُمْ‏}‏ وفيه تعليل لنفي ضرهم بطريق برهاني يعني أنكم وإن لم تبقوا في القوس منزعاً وبذلتم في مضادتي مجهودكم لا تقدرون على شيء مما تريدون بي فإني متوكل على الله تعالى واثق بكلاءته وهو مالكي ومالككم لا يصدر عنكم شيء ولا يصيبني أمر إلا بإرادته، وجىء بلفظ الماضي لأنه أدل على الإنشاء المناسب للمقام، ثم إنه عليه السلام برهن على عدم قدرتهم على ضره مع توكله عليه سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا‏}‏ أي إلا هو مالك لها قادر عليها يصرفها كيف يشاء غير مستعصية عليه سبحانه، والناصية مقدم الرأس وتطلق على الشعر النابت عليها، واستعمال الأخذ بالناصية في القدرة والتسلط مجاز أو كناية، وفي «البحر» أنه صار عرفاً في القدرة على الحيوان، وكانت العرب تجز الأسير الممنون عليه علامة على أنه قد قدر عليه وقبض على ناصيته، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ مندرج في البرهان وهو تمثيل واستعارة لأنه تعالى مطلع على أمور العباد مجاز لهم بالثواب والعقاب كاف لمن اعتصم به كمن وقف على الجادة فحفظها ودفع ضرر السابلة بها، وهو كقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 14‏]‏، وقيل‏:‏ معناه إن مصيركم إليه تعالى للجزاء وفصل القضاء، ولعل الأول أولى، وفي «الكشف» إن في قوله‏:‏ ‏{‏إِنّى تَوَكَّلْتُ‏}‏ الآية من اللطائف ما يبهرك تأمله من حسن التعليل، وما يعطيه أن من توكل عليه لم يبال بهول ما ناله ثم التدرج إلى تعكيس التخويف بقوله‏:‏ ‏{‏رَبّى وَرَبَّكُمْ‏}‏ فكيف يصاف من لزم سدّة العبودية وينجو من تولى مع ما يعطيه من وجوب التوكل عليه سبحانه إذا كان كذلك وترشيخه بقوله‏:‏ ‏{‏مَّا مِن دَابَّةٍ‏}‏ إلى تمام التمثيل فإنه في الاقتدار على المعرض أظهر منه في الرأفة على المقبل خلاف الصفة الأولى، وما فيه من تصوير ربوبيته واقتداره تعالى وتصوير ذل المعبودين بين يدي قهره أياً مّا كان، والختم بما يفيد الغرضين على القطع كفاية من إياه تولى وخزاية من أعرض عن ذكره وتولى بناءاً على أن معناه أنه سبحانه على الحق والعدل لا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم، وفي قوله‏:‏ ‏{‏رَبّى‏}‏ من غير إعادة ‏{‏وَرَبّكُمْ‏}‏ كما في الأول نكتة سرية بعد اختصار المعنى عن الحشو فيه ما يدل على زيادة اختصاصه به وأنه رب الكل استحقاقاً وربه دونهم تشريفاً وإرفاقاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏57‏]‏

‏{‏فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ‏(‏57‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏ أي تتولوا فهو مضارع حذف منه إحدى التاءين وحمل على ذلك لاقتضاء أبلغتكم له، وجوز ابن عطية كونه ماضياً، وفي الكلام التفات ولا يظهر حسنه ولذا قدر غيره ممن جعله كذلك فقل أبلغتكم لكنه لا حاجة إليه، ويؤيد ذلك قراءة الأعرج‏.‏ وعيسى الثقفي ‏{‏تَوَلَّوْاْ‏}‏ بضم التاء واللام مضارع ولى، والمراد فإن تستمروا على ما كنتم عليه من التولي والإعراض لوقوع ذلك منهم فلا يصلح للشرط، وجوز أن يبقى على ظاهره بحمله على التولي الواقع بعدما حجهم، والظاهر أن الضمير لقوم هود والخطاب معهم، وهو من تمام الجمل المقولة قبل، وقال التبريزي‏:‏ إن الضمير لكفار قريش وهو من تلوين الخطاب، وقد انتقل من الكلام الأول إلى الإخبار عمن بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكأنه قيل‏:‏ أخبرهم عن قصة قوم هود وادعهم إلى الإيمان بالله تعالى لئلا يصيبهم كما أصاب قوم هود عليه السلام ‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏ فقل لهم قد أبلغتكم الخ وهو من البعد بمكان كما لا يخفى، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ‏}‏ دليل جواب الشرط أي إن تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ فإن ما أرسلت به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول، وقيل‏:‏ التقدير إن تتولوا فما عليّ كبيرهمّ منكم فإنه قد برئت ساحتي بالتبليغ وأنتم أصحاب الذنب في الإعراض عن الإيمان، وقيل‏:‏ إنه الجزاء باعتبار لازم معناه المستقبل باعتبار ظهوره أي فلا تفريط مني ولا عذر لكم، وقيل‏:‏ إنه جزاء باعتبار الإخبار لأنه كما يقصد ترتب المعنى يقصد ترتب الإخبار كما في ‏{‏وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 53‏]‏ على ما مر وكل ذلك لما أن الإبلاغ واقع قبل توليهم، والجزاء يكون مستقبلاً بالنظر إلى زمان الشرط‏.‏

وزعم أبو حيان أن صحة وقوعه جواباً لأن في إبلاغه إليهم رسالته تضمن ما يحل بهم من العذاب المستأصل فكأنه قيل‏:‏ فإن تتولوا استؤصلتم بالعذاب، ويدل على ذلك الجملة الخبرية، وهي قوله سبحانه‏:‏

‏{‏وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ‏}‏ وفيه منع ظاهر، وهذا كما قال غير واحد‏:‏ استئناف بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ويستخلف قوماً آخرين في ديارهم وأموالهم وهو استئناف نحوي عند بعض بناءاً على جواز تصديره بالواو‏.‏

وقال الطيبي‏:‏ المراد به أن الجملة ليست بداخلة في الجملة الشرطية جزاءاً بل تكون جملة برأسها معطوفة على الجملة الشرطية وهو خلاف الظاهر من العبارة، وعليه تكون مرتبة على قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 56‏]‏ والمعنى أنه على العدل ينتقم منكم ويهلككم، وقال الجلبي‏:‏ لا مانع عندي من حمله على الاستئناف البياني جواباً عما يترتب على التولي وهو الظاهر كأنه قيل‏:‏ ما يفعل بهم إذا تولوا‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏يستخلف‏}‏ الخ‏.‏

وتعقبه بعضهم بأن الاستئناف البياني لا يقترن بالواو، وجوز أن يكون عطفاً على الجواب لكن على ما بعد الفاء لأنه الجواب في الحقيقة، والفاء رابطة له ودخول الفاء على المضارع هنا لأنه تابع يتسامح فيه‏.‏

وقيل‏:‏ تقديره فقل‏:‏ ‏{‏يستخلف‏}‏ الخ، وقرأ حفص برواية هبيرة و‏{‏يستخلف‏}‏ بالجزم وهو عطف على موضع الجملة الجزائية مع الفاء كأنه قيل‏:‏ ‏{‏إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏ يعذرني ويهلككم ‏{‏وَيَسْتَخْلِفُ‏}‏ مكانكم آخرين‏.‏

وجوز أبو البقاء كون ذلك تسكيناً لتوالي الحركات، وقرأ عبد الله كذلك، ويجزم قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا‏}‏، وقيل‏:‏ إن من جزم الأول جزم هذا لعطفه عليه وهو الظاهر، والمعنى لا تضرونه بهلاككم شيئاً أي لا ينتقص ملكه ولا يختل أمره، ويؤيد هذا ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ ولا تنقصونه شيئاً، ونصب ‏{‏شَيْئاً‏}‏ على أنه مفعول مطلق لتضرون أي شيئاً من الضرر لأنه لا يتعدى لاثنين، وجعله بعضهم مفعولاً ثانياً مفسراً له بما يتعدى لهما لمكان الرواية، وجوز ابن عطية أن يكون المعنى إنكم لا تقدرون إذا أهلككم على إضراره بشيء ولا على الانتصار منه ولا تقابلون فعله بشيء يضره تعالى عن ذلك علواً كبيراً، والأول أظهر، وقدر بعضهم التولي بدل الإهلاك أي ولا تضرونه بتوليكم شيئاً من الضرر لاستحالة ذلك عليه سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبّى على كُلّ شَىْء حَفِيظٌ‏}‏ أي رقيب محيط بالأشياء علماً فلا يخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم‏.‏ فالحفظ كناية عن المجازاة، ويجوز أن يكون الحفيظ بمعنى الحافظ بمعنى الحاكم المستولي أي أنهس بحانه حافظ مستول على كل شيء، ومن شأه ذلك كيف يضره شيء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ‏(‏58‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا‏}‏ أي نزل عذابنا على أن الأمر واحد الأمور، قيل‏:‏ أو المأمور به، وفي التعبير عنه بذلك مضافاً إلى ضمير جل جلاله، وعن نزوله بالمجىء ما لا يخفى من التفخيم والتهويل‏.‏

وجوز أن يكون واحد الأوامر أي وورد أمرنا بالعذاب، والكلام على الحقيقة إن أريد أمر الملائكة عليهم السلام، ويجوز أن يكون ذلك مجازاً عن الوقوع على سبيل التمثيل ‏{‏نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ‏}‏ قيل‏:‏ كانوا أربعة آلاف، وقيل‏:‏ ثلاثة آلاف، ولعل الانتصار للأنبياء عليهم السلام لم يكن مأذوناً به للمؤمنين إذ ذاك فلا ينافي ما تقدم نقله من أنه عليه السلام كان وحده، ولذا عد مواجهته للجم الغفير معجزة له صلى الله عليه وسلم لكن لا بد لهذا من دليل كدعوى انفراده عنهم حين المقاولة؛ وفي «الحواشي الشهابية» أنه لا مانع من ذلك باعتبار حالين وزمانين فتأمل، والظاهر أن ما كان من المقاولة إنما هو في ابتداء الدعوة ومجىء الأمر كان بعد بكثير وإيمان من آمن كان في البين فترتفع المنافاة ‏{‏بِرَحْمَةٍ‏}‏ عظيمة كائنة ‏{‏مِنَّا‏}‏ وهي الإيمان الذي أنعمنا به عليهم‏.‏

وروي هذا عن ابن عباس‏.‏ والحسن، وذكره الزمخشري ولشم بعضهم منه رائحة الاعتزال لم يلتفت إليه ولا بأس بأن تحمل الرحمة عن الفضل فيفيد أن ذلك بمحض فضل الله تعالى إذ له سبحانه تعذيب المطيع كما أن له جل وعلا إثابة العاصي، والجار والمجرور الأول متعلق بنجينا وهو الظاهر الذي عليه كثير من المفسرين‏.‏

وجوز أبو حيان كونه متعلقاً بآمنوا أي إن إيمانهم بالله تعالى ورسوله عليه السلام برحمة من الله تعالى إذ وفقهم إليه، ولعل ترتيب الإنجاء على النزول باعتبار ما تضمنه من تعذيب الكفار فيكون قد صرح بالإنجاء اهتماماً، ورتب باعتبار الآخر إشارة إلى أنه مقصود منه، ويجوز أن تكون لما لمجرد الحين ‏{‏وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ‏}‏ تكرير لأجل بيان ما نجاهم عنه وهي الريح التي كانت تحمل الظعينة وتهدم المساكن وتدخل في أنوف أعداء الله تعالى وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إرباً إرباً، أو المراد بهذا الإنجاء من عذاب الآخرة وبالأول الإنجاء من عذاب الدنيا، ورجح الأول بأنه أوفق لمقتضى المقام، وحاصله أن الأول إخبار بأن الإيمان الذي وفقوا له صار سبب إنجائهم‏.‏ والثاني بأن ذلك الإنجاء كان من عذاب أي عذاب دلالة على كمال الامتنان وتحريضاً على الإيمان وليس من أسلوب أعجبني زيد وكرمه في شيء كما ظنه العلامة الطيبي‏.‏

وقد أورد على الثاني إن إنجاءهم من عذاب الآخرة ليس في وقت نزول العذاب في الدنيا ولا مسبباً عنه إلا أن يجاب بأنه عطف على القيد والمقيد كما قيل في قوله سبحانه‏:‏

‏{‏لاَ يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ *يَسْتَقْدِمُونَ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 30‏]‏ قيل‏:‏ ولا يخفى ما فيه من التكلف من غير داع لأن الموافق للتعبير بالماضي المفيد لتحققه حتى كأنه وقع أن يجعل باعتبار ذلك واقعاً في وقت النزول تجوزاً أو المعنى حكما بذلك وتبين ما يكون لهم لأن الدنيا أنموذج الآخرة وأياً مّا كان فالمراد بغلظ العذاب تضاعفه، وقد يقال على الاحتمال الأول في وصف العذاب الذي كان بالريح‏:‏ بالغلظ الذي هو ضد الرقة التي هي صفة الريح ما لا يخفى من اللطف، وفيه أيضاً مناسبة لحالهم فإنهم كانوا غلاظاً شداداً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏59‏]‏

‏{‏وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ‏(‏59‏)‏‏}‏

‏{‏عَادٌ جَحَدُواْ‏}‏ أنث اسم الإشارة باعتبار القبيلة على ما قيل، فالإشارة إلى ما في الذهن وصيغة البعيد لتحقيرهم أو لتنزيلهم منزلة البعيد لعدمهم، أو الإشارة إلى قبورهم ومصارعهم، وحينئذٍ الإشارة للبعيد المحسوس والإسناد مجازي أو هو من مجاز الحذف أي تلك قبور عاد، وجوز أن يكون بتقدير أصحاب تلك عاد، والجملة مبتدأ وخبر، وكان المقصود الحث على الاعتبار بهم والاتعاظ بأحوالهم، وقوله سبحانه‏:‏

‏{‏جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ‏}‏ الخ استئناف لحكاية بعض قبائحهم أي كفروا بآيات ربهم التي أيد بها رسوله الداعي إليه ودل بها على صدقه وأنكروها فقالوا‏:‏ يا هود ما جئتنا ببينة، أو أنكروا آياته سبحانه في الآفاق والأنفس الدالة عليه تعالى حسبما قال لهم هود عليه والسلام‏.‏

وجوز أن يراد بها الآيات التي أتى بها هود‏.‏ وغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، ويلائمه جمع الرسل الآتي على قول، وعدي جحد بالباء حملاً له على كفر لأنه المراد، أو بتضمينه معناه كما أن كفر يجري مجرى جحد فيعدي بنفسه نحو قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 60‏]‏، وقيل‏:‏ كفر كشكر يتعدى بنفسه وبالباء، وظاهر كلام «القاموس» أن جحد كذلك ‏{‏وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ‏}‏ قيل‏:‏ المراد بالرسل هود عليه السلام والرسل الذين كانوا معه من قبله وهو خلاف الظاهر، وقيل‏:‏ المراد بهم هود عليه السلام وسائر الرسل من قبله تعالى للأمم من قبله ومن بعده عليه السلام بناءاً على أن عصيانه عليه السلام وكذا عصيان كل رسول بمنزلة عصيان الرسل جميعهم لأن الجميع متفقون على التوحيد فعصيان واحد عصيان للجميع فيه، أو على أن القوم أمرهم كل رسول من قبل بطاعة الرسل والإيمان بهم إن أدركوهم فلم يمتثلوا ذلك الأمر ‏{‏واتبعوا أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ‏}‏ متعال عن قبول الحق، وقال الكلبي‏:‏ هو الذي يقتل على الغضب ويعاقب على المعصية‏.‏

وقال الزجاج‏:‏ هو الذي يجبر الناس على ما يريد، وذكر ابن الأنباري أنه العظيم في نفسه المتكبر على العباد ‏{‏عَنِيدٍ‏}‏ أي طاغ من عند بتثليث النون عنداً بالإسكان وعنداً بالتحريك وعنوداً بضم العين إذا طغا وجاوز الحد في العصيان، وفسره الراغب بالمعجب بما عنده، والجوهري بمن خالف الحق ورده وهو يعرفه، وكذا عاند، ويطلق الأخير على البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد، وجمعه عند كراكع‏.‏ وركع، وجمع العنيد عند كرغيف‏.‏ ورغف، والعنود قيل‏:‏ بمعنى العنيد‏.‏

وزعم بعضهم أنه يقال‏:‏ بعير عنود، ولا يقال‏:‏ عنيد، ويجمع الأول على عندة‏.‏ والثاني على عند، وآخر أن العنود العادل عن الطريق المحسوس‏.‏

والعنيد العادل عن الطريق في الحكم؛ وكلاهما من عند وأصل معناه على ما قيل‏:‏ اعتزل في جانب لأن العند بالتحريك الجانب يقال‏:‏ يمشي وسطاً لا عنداً، ومنه عند الظرفية، ويقال للناحية أيضاً‏:‏ العند مثلثة، وهذا الحكم ليس كالحكمين السابقين من جحود الآيات وعصيان الرسل في الشمول لكل فرد فرد منهم فإن اتباع الأمر من أحكام الأسافل دون الرؤساء‏.‏

وقيل‏:‏ هو مثل ذلك في الشمول، والمراد بالأمر الشأن وبكل جبار عنيد من هذه صفته من الناس لا أناس مخصوصون من عاد متصفون بذلك، والمراد باتباع الأمر ملازمته أو الرضا به على أتم وجه، ويؤول ذلك إلى الاتصاف أي إن كلاً منهم اتصف بصفة كل جبار عنيد، ولا يخفى ما فيه من التكلف الظاهر، وقد يدعي العموم من غير حاجة إلى ارتكاب مثله، والمراد على ما تقدم أنهم عصوا من دعاهم إلى سبيل الهدى وأطاعوا من حداهم إلى مهاوي الردى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ‏(‏60‏)‏‏}‏

‏{‏وَأُتْبِعُواْ فِى هذه الدنيا لَعْنَةً‏}‏ أي إبعاداً عن الرحمة وعن كل خير أي جعلت اللعنة لازمة لهم، وعبر عن ذلك بالتبعية للمبالغة فكأنها لا تفارقهم وإن ذهبوا كل مذهب بل تدور معهم حسبما داروا، أو لوقوعه في صحبة اتباعهم، وقيل‏:‏ الكلام على التمثيل بجعل اللعنة كشخص تبع آخر ليدفعه في هوة قدامه، وضمير الجمع لعاد مطلقاً كما هو الظاهر‏.‏

وجوز أن يكون للمتبعين للجبارين منهم، وما حال قوم قدامهم الجبارون أهل النار وخلفهم اللعنة والبوار، ويعلم من لعنة هؤلاء لعنة غيرهم المتبوعين على ما قيل بالطريق الأولى ‏{‏وَيَوْمَ القيامة‏}‏ أي واتبعوا يوم القيامة أيضاً لعنة وهي عذاب النار المخلد حذف ذلك لدلالة الأول عليه وللإيذان بأن كلاً من اللعنين نوع برأسه لم يجتمعا في قرن واحد بأن يقال‏:‏ وأتبعوا في هذه الدنيا ويوم القيامة لعنة، ونظير هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الاخرة‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 156‏]‏ وعبر بيوم القيامة بدل الآخرة هنا للتهويل الذي يقتضيه المقام‏.‏

‏{‏أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ‏}‏ أي بربهم‏.‏ أو كفروا نعمته ولم يشكروها بالإيمان‏.‏ أو جحدوه ‏{‏أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ‏}‏ دعاء عليهم بالهلاك مع أنهم هالكون أيّ هلاك تسجيلاً عليهم باستحقاق ذلك والاستئهال له، ويقال في الدعاء بالبقاء واستحقاقه‏:‏ لا يبعد فلان، وهو في كلام العرب كثير، ومنه قوله‏:‏ لا يبعدن قومي الذين هم *** سم العداة وآفة الجزر

وجوز أن يكون دعاء باللعن كما في «القاموس»‏:‏ البعد‏.‏ والبعاد اللعن، واللام للبيان كما في قولهم‏:‏ سقياً لك، وقيل‏:‏ للاستحقاق وليس بذاك، وتكرير حرف التنبيه وإعادة عاد للمبالغة في تفظيع حالهم والحث على الاعتبار بقصتهم، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَوْمِ هُودٍ‏}‏ عطف بيان على ‏{‏عَادٍ‏}‏ وفائدته الإشارة إلى أن عاداً كانوا فريقين‏:‏ عاداً الأولى‏.‏ وعاداً الثانية، وهي عاد إرم في قول، وذكر الزمخشري في الفجر أن عقب عاد بن عوض ابن إرم بن سام بن نوح قيل لهم‏:‏ عاد كما يقال لبني هاشم‏:‏ هاشم، ثم قيل‏:‏ للأولين منهم عاد الأولى وإرم تسمية لهم باسم جدهم، ولمن بعدهم عاد الأخيرة، وأنشد لابن الرقيات‏:‏ مجداً تليداً بناه أوله *** أدرك عاداً وقبلها إرماً

ولعله الأوفق للنقل مع الإيماء إلى أن استحقاقهم للبعد بسبب ما جرى بينهم وبين هود عليه السلام وهم قومه، وليس ذلك لدفع اللبس إذ لا لبس في أن عاداً هذه ليست إلا قوم هود عليه السلام للتصريح باسمه وتكريره في القصة، وقيل‏:‏ ذكر ليفيد مزيد تأكيد بالتنصيص عليهم مع ما في ذلك من تناسب فواصل الآي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏61‏]‏

‏{‏وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ‏(‏61‏)‏‏}‏

‏{‏وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ‏}‏ الكلام فيه كالكلام في نظيره السابق آنفاً، وجمهور القراء على منع صرف ‏{‏ثَمُودُ‏}‏ ذهاباً إلى القبيلة، وقرأ ابن وثاب‏.‏ والأعمش بالصرف على إرادة الحي ‏{‏هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الارض‏}‏ أي ابتدأ خلقكم منها فإنها المادة الأولى وآدم الذي هو أصل البشر خلق منها، وقيل‏:‏ الكلام على حذف مضاف أي أنشأ أباكم، وقيل‏:‏ ‏{‏مِنْ‏}‏ بمعنى في، وليس بشيء، والمراد الحصر كما يفهمه كلام بعض الأجلة كأن القول لعدم أدائهم حقه سبحانه قد اعتقدوا أن الفاعل لذلك غيره تعالى، أو هو مع غيره فخوطبوا على وجه قصر القلب أو قصر الإفراد بذلك، واحتمال أنهم كانوا يعتقدون أحد الأمرين حقيقة لا تنزيلاً يستدعي القول بأنهم كانوا طبيعية أو ثنوية وإلا فالوثنية وإن عبدوا معه سبحانه غيره لا يعتقدون خالقية غيره لهم بوجه من الوجوه، وأخذ الحصر على ما قيل‏:‏ من تقديم الفاعل المعنوي، وقيل‏:‏ إنه مستفاد من السياق لأنه لما حصر الإلهية فيه تعالى اقتضى حصر الخالقية أيضاً، فبيان ما خلقوا منه بعد بيان أنه الخالق لا غيره يقتضي هذا فتدبر، والظاهر أن من يقول بالحصر هنا يقول به في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏واستعمركم فِيهَا‏}‏ لمكان العطف وكونه معطوفاً بعد اعتبار التقديم فلا ينسحب على ما بعده مما لا فائدة في التزامه أي وهو الذي جعلكم عمارها وسكانها فالاستفعال بمعنى الإفعال يقال‏:‏ أعمرته الأرض واستعمرته إذا جعلته عامرها وفوضت إليه عمارتها، وإلى هذا ذهب الراغب‏.‏ وكثير من المفسرين، وقال زيد بن أسلم‏:‏ المعنى أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه من بناء مساكن وحفر أنهار وغرس أشجار وغير ذلك، فالسين للطلب، وإلى هذا ذهب الكيا، واستدل بالآية على أن عمارة الأرض واجبة لها الطلب، وقسمها في «الكشاف» إلى واجب كعمارة القناطر اللازمة والمسجد الجامع‏.‏ ومندوب كعمارة المساجد‏.‏ ومباح كعمارة المنازل‏.‏ وحرام كعمارة الحانات، وما يبنى للمباهاة أو من مال حرام كأبنية كثير من الظلمة، واعترض على الكيا بأنه لم يكن هناك طلب حقيقة ولكن نزل جعلهم محتاجين لذلك وإقدارهم عليه وإلهامهم كيف يعمرون منزلة الطلب، وقال الضحاك‏:‏ المعنى عمركم فيها واستبقاكم وكان أحدهم يعمر طويلاً حتى أن منهم من يعمر ألف سنة، والمشهور أن الفعل من العمر وهو مدة الحياة بالتشديد ومن العمارة نقيض الخراب بالتخفيف ففي أخذ ذلك من العمر تجوز‏.‏

وعن مجاهد أن استعمر من العمرى بضم فسكون مقصور، وهي كما قال الراغب في العطية أن تجعل له شيئاً مدة عمرك أو عمره، والمعنى أعمركم فيها ورباكم أي أعطاكم ذلك ما دمتم أحياء ثم هو سبحانه وارثها منكم، أو المعنى جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورث داره من بعده فكأنما أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره ‏{‏فاستغفروه ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ‏}‏ تفريع على ما تقدم فإن ما ذكر من صنوف إحسانه سبحانه داع إلى الاستغفار والتوبة، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ‏}‏ أي قريب الرحمة لقوله سبحانه‏:‏

‏{‏إن رحمة الله قريب من المحسنين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 56‏]‏ والقرآن يفسر بعضه بعضاً ‏{‏مُّجِيبٌ‏}‏ لمن دعاه وسأله زيادة في بيان ما يوجب ذلك، والأول علة باعثة، وهذا علة غائية وما ألطف التقديم والتأخير، وصرح بعضهم أن ‏{‏قَرِيبٌ‏}‏ ناظر لتوبوا و‏{‏مُّجِيبٌ‏}‏ لاستغفروا كأنه، قيل‏:‏ ارجعوا إلى الله تعالى فإنه سبحانه ‏{‏قَرِيبٌ‏}‏ منكم أقرب من حبل الوريد واسألوه المغفرة فإنه جلا وعلا ‏{‏مُّجِيبٌ‏}‏ السائلين ولا يخلو عن حسن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏62‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ‏(‏62‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ يأَبَانَا صالح قَدْ كُنتَ فِينَا‏}‏ أي فيما بيننا ‏{‏مَرْجُوّا‏}‏ فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا على ما روي عن ابن عباس‏.‏

وقال ابن عطية مشوراً نأمل منك أن تكون سيداً ساداً مسدّ الأكابر، وقال كعب‏:‏ كانوا يرجونه للملك بعد ملكهم لأنه كان ذا حسب وثروة‏.‏

وقال مقاتل‏:‏ كانوا يرجون رجوعه إلى دينهم إذ كان يبغض أصنامهم ويعدل عن دينهم ‏{‏قَبْلَ هذا‏}‏ أي الذي باشرته من الدعوة إلى التوحيد وترك عبادة الآلهة فلما سمعنا منك ما سمعناه انقطع عنك رجاؤنا، وقيل‏:‏ كانوا يرجون دخوله في دينهم بعد دعواه إلى الحق ثم انقطع رجاؤهم فقبل هذا قبل هذا الوقت لا قبل الذي بشاره من الدعوة، وحكى النقاش عن بعضهم أن ‏{‏مَرْجُوّا‏}‏ بمعنى حقيراً وكأنه فسره أولاً بمؤخراً غير معتنى به ولا مهتم بشأنه، ثم أراد منه ذلك وإلا فمرجواً بمعنى حقير لم يأت في كلام العرب، وجاء قولهم‏:‏ ‏{‏أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا‏}‏ على جهة التوعد والاستبشاع لتلك المقالة منه والتعبير بيعبد لحكاية الحال الماضية، وقرأ طلحة ‏{‏مرجؤاً‏}‏ بالمد والهمز ‏{‏ءابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ‏}‏ من التوحيد وترك عبادة الآلهة وغير ذلك من الاستفغر والتوبة ‏{‏مُرِيبٍ‏}‏ اسم فاعل من أرابه المتعدي بنفسه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين، أو من أراب الرجل اللازم إذا كان ذا ريبة، والإسناد على الوجهين مجازي إلا أن بينهما كما قال بعض المحققين فرقاً، وهو أن الأول منقول من الأعيان إلى المعنى‏.‏ والثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك كما تقول‏:‏ شعر شاعر، فعلى الأولى هو من باب الإسناد إلى السبب لأن وجود الشك سبب لتشكيك المشكك ولولاه لما قدر على التشكيك، والتنوين في ‏{‏مُرِيبٍ‏}‏ وفي ‏{‏شَكٌّ‏}‏ للتفخيم، ‏{‏وَإِنَّنَا‏}‏ بثلاث نوات، ويقال‏:‏ إنا بنونين وهما لغتان لقريش‏.‏

قال الفراء‏:‏ من قال‏:‏ إننا أخرج الحرف على أصله لأن كناية المتكلمين ن فاجتمعتث لاث نونات، ومن قال‏:‏ إنا استثل اجتماعها فأسقط الثالثة وأبقى الأوليين‏.‏

واختار أبو حيان أن المحذوف النون الثانية لا الثالثة لأن في حذفها إجحافاً بالكلمة إذ لا يبقى منها إلا حرف واحد ساكن دون حذف الثانية لظهور بقاء حرفين بعده على أنه قد عهد حذف النون الثانية من إن مع غير ضمير المتكلمين ولم يعهد حذف نون ن ولا ريب في أن ارتكاب المعهود أولى من ارتكاب غير المعهود‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏63‏]‏

‏{‏قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ‏(‏63‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ ياقوم‏}‏ أخبروني ‏{‏أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ‏}‏ حجة ظاهرة وبرهان وبصيرة ‏{‏مّن رَّبّى‏}‏ مالكي ومتولي أموري ‏{‏الكتاب مِنْهُ‏}‏ من قبله سبحانه ‏{‏رَحْمَةً‏}‏ نبوة، وهذا من الكلام المنصف، والاستدراج إذ لا يتصور منه عليه السلام شك فيما في حيز إن، وأصل وضعها أنها لشك المتكلم ‏{‏فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله‏}‏ أي فمن يمنعني من عذابه، ففي الكلام مضاف مقدر والنصرة مستعملة في لازم معناها أو أنّ الفعل مضمن معنى المنع، ولذا تعدى بمن والعدول إلى الإظهار لزيادة التهويل والفاء لترتيب إنكار النصر على ما سبق من كونه على بينة وإيتاء الرحمة على تقدير العصيان حسبما يعرب عنه قوله‏:‏ ‏{‏إِنْ عَصَيْتُهُ‏}‏ أي في المساهلة في تبليغ الرسالة والمنع عن الشرك به تعالى والمجاراة معكم فيما تشتهون فإن العصيان ممن ذلك شأنه أبعد والمؤاخذة عليه ألزم وإنكار نصرته أدخل ‏{‏فَمَا تَزِيدُونَنِى‏}‏ إذن باستتباعكم إياي أي لا تفيدونني إذ لم يكن فيه أصل الخسران حتى يزيدوه ‏{‏غَيْرَ تَخْسِيرٍ‏}‏ أي غير أن تجعلوني خاسراً بإبطال أعمالي وتعريضي لسخط الله تعالى، أو ‏{‏فَمَا تَزِيدُونَنِى‏}‏ بما تقولون غير أن أنسبكم إلى الخسران، وأقول لكم‏:‏ إنكم لخاسرون لا أن أتبعكم‏.‏

وروي هذا عن الحسن بن الفضل، فالفاعل على الأول هم والمفعول صالح، وعلى الثاني بالعكس والتفعيل كثيراً ما يكون للنسبة كفسقته وفجرته، والزيادة على معناها والفاء لترتيب عدم الزيادة على انتفاء الناصر المفهوم من إنكاره على تقدير العصيان مع تحقق ما ينفيه من كونه عليه السلام على بينة من ربه وإيتائه النبوة‏.‏

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعنى ‏{‏فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ‏}‏ مضارة في خسرانكم، فالكلام على حذف مضاف، وعن مجاهد ما تزدادون أنتم باحتجاجكم بعبادة آبائكم إلا خساراً، وأضاف الزيادة إلى نفسه لأنهم أعطوه ذلك وكان قد سألهم الإيمان، وقال ابن عطية‏:‏ المعنى فما تعطوني فيما اقتضيه منكم من الإيمان ‏{‏غَيْرَ تَخْسِيرٍ‏}‏ لأنفسكم، وأضاف الزيادة إلى نفسه من حيث أنه مقتض لأقوالهم موكل بإيمانهم كما تقول لمن توصيه‏:‏ أنا أريد بك خيراً وأنت تريد بي سوءاً وكان الوجه البين أن تقول‏:‏ وأنت تريد شراً لكن من حيث كنت مريد خير ومقتضى ذلك حسن أن تضيف الزيادة إلى نفسك، وقيل‏:‏ المعنى فما تزيدونني غير تخسيري إياكم حيث أنكم كلما ازددتم تكذيباً إياي ازدادت خسارتكم، وهي أقوال كما ترى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏64‏]‏

‏{‏وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ‏(‏64‏)‏‏}‏

‏{‏وياقوم هذه نَاقَةُ الله‏}‏ الإضافة للتشريف والتنبيه على أنها مفارقة لسائر ما يجانسها خلقاً وخلقاً ‏{‏لَكُمْ ءايَةً‏}‏ معجزة دالة على صدقي في دعوى النبوة، وهي حال من ‏{‏نَاقَةُ الله‏}‏، والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل‏.‏

وقيل‏:‏ معنى التنبيه، والظاهر أنها حال مؤسسة، وجوز فيها أن تكون مؤكدة كهذا أبوك عطوفاً لدلالة الإضافة على أنها آية، و‏{‏لَكُمْ‏}‏ كما في «البحر»‏.‏ وغيره حال منها فقدمت عليها لتنكيرها ولو تأخرت لكانت صفة لها، واعترض بأن مجىء الحال من الحال لم يقل به أحد من النحاة لأن الحال تبين هينة الفاعل أو المفعول وليست الحال شيئاً منهما، وأجيب بأنها في معنى المفعول للإشارة لأنها متحدة مع المشار إليه الذي هو مفعول في المعنى ولا يخفى ما فيه من التكلف، وقيل‏:‏ الأولى أن يقال‏:‏ إن هذه الحال صفة في المعنى لكن لم يعربوها صفة لأمر تواضع النحويون عليه من منع تقدم ما يسمونه تابعاً على المتبوع فحديث إن الحال تبين الهيئة مخصوص بغير هذه الحال، واعترض بأن هذا ونحوه لا يحسم مادة الاعتراض لأن المعترض نفى قول أحد من النحاة بمجىء الحال من الحال، وبما ذكر لا يثبت القول وهو ظاهر، نعم قد يقال‏:‏ إن اقتصار أبي حيان‏.‏ والزمخشري وهما من تعلم في العربية على هذا النحو من الإعراب كاف في الغرض على أتم وجه، وأراد الزمخشري بالتعلق في كلامه التعلق المعنوي لا النحوي فلا تناقض فيه على أنه بحث لا يضر‏.‏

وقيل‏:‏ ‏{‏لَكُمْ‏}‏ حال من ‏{‏نَاقَةُ‏}‏ و‏{‏ءايَةً‏}‏ حال من الضمير فيه فهي متداخلة، ومعنى كون الناقة للمخاطبين أنها نافعة لهم ومختصة بهم وهي منافعها فلا يرد أنه لا اختصاص لذات الناقة بهم، وإنما المختص كونها آية لهم، وقيل‏:‏ ‏{‏لَكُمْ‏}‏ حال من الضمير في ‏{‏ءايَةً‏}‏ لأنها بمعنى المشتق، والأظهر كون ‏{‏لَكُمْ‏}‏ بيان من هي ‏{‏ءايَةً‏}‏ له، وجوز كون ‏{‏نَاقَةُ‏}‏ بدلاً أو عطف بيان من اسم الإشارة، و‏{‏لَكُمْ‏}‏ خبره، و‏{‏ءايَةً‏}‏ حال من الضمير المستتر فيه ‏{‏فَذَرُوهَا‏}‏ دعوها ‏{‏تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله‏}‏ فليس عليكم مؤنتها والفعل مجزوم لوقوعه في جواب الطلب، وقرىء بالرفع على الاستئناف أو على الحال كما في «البحر» والمتبادر من الأكل معناه الحقيقي لكن قيل‏:‏ في الآية اكتفاءاً أي تأكل وتشرب، وجوز أن يكون مجازاً عن التغذي مطلقاً والمقام قرينة لذلك‏.‏

‏{‏وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء‏}‏ أي بشيء منه فضلاً عن العقر والقتل، والنهي هنا على حدّ النهي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 152‏]‏ الخ ‏{‏فَيَأْخُذَكُمْ‏}‏ لذلك ‏{‏عَذَابٌ قَرِيبٌ‏}‏ عاجل لا يستأخر عن مسكم إياها بسوء إلا يسيراً وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم، وقيل‏:‏ أراد من وصفه بالقرب كونه في الدنيا، وإلى الأول ذهب غير واحد من المفسرين وكان الإخبار عن وحي من الله تعالى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏65‏]‏

‏{‏فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ‏(‏65‏)‏‏}‏

‏{‏فَعَقَرُوهَا‏}‏ أي فخالفوا ما أمروا به فعقروها، والعقر قيل‏:‏ قطع عضو يؤثر في النفس‏.‏

وقال الراغب‏:‏ يقال‏:‏ عقرت البعير إذا نحرته، ويجىء بمعنى الجرح أيضاً كما في «القامومس» وأسند العقر إليهم مع أن الفاعل واحد منهم وهو قدار كهمام في قول، ويقال له‏:‏ أحمر ثمود، وبه يضرب المثل في الشؤم لرضاهم بفعله، وقد جاء أنهم اقتسموا لحمها جميعاً ‏{‏فَقَالَ‏}‏ لهم صالح عليه السلام ‏{‏تَمَتَّعُواْ‏}‏ عيشوا‏.‏

‏{‏فِى دَارِكُمْ‏}‏ أي بلدكم، وتسمى البلاد الديار لأنها يدار فيها أي يتصرف يقال‏:‏ ديار بكر لبلادهم، وتقول العرب الذي حوالى مكة‏:‏ نحن من عرب الدار يريدون من عرب البلد، وإلى هذا ذهب الزمخشري، وقال ابن عطية‏:‏ هو جمع دارة كساحة وساح وسوح، ومنه قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان‏:‏ له داع بمكة مشمعل *** وآخر فوق ‏(‏دارته‏)‏‏}‏ ينادي

ويمكن أن يسمى جميع مسكن الحي داراً وتطلق الدار وتطلق الدار على الدنيا أيضاً، وبذلك فسرها بعضهم هنا، وفسر الطبرسي التمتع بالتلذذ أي تلذذوا بما تريدون ‏{‏ثلاثة أَيَّامٍ‏}‏ ثم يأخذكم العذاب، قيل‏:‏ إنهم لما عقروا الناقة صعد فصيلها الجبل ورغا ثلاث رغوات فقال صالح عليه السلام‏:‏ لكل رغوة أجل يوم، وابتداء الأيام على ما في بعض الروايات الأربعاء، وروي أنه عليه السلام قال لهم‏:‏ تصبح وجوهكم غداً مصفرة‏.‏ وبعد غد محمرة‏.‏ واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب فكان كما قال‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى ما يدل عليه الأمر بالتمتع ثلاثة أيام من نزول العذاب عقيبها وما فيه من معنى البعد للتفخيم ‏{‏وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ‏}‏ أي غير مكذوب فيه فحذف الجار وصار المجرور مفعولاً على التوسع لأن الضمير لا يجوز نصبه على الظرفية والجار لا يعمل بعد حذفه، ويسمون هذا الحذف والإيصال، وهو كثير في كلامهم ويكون في الاسم كمشترك وفي الفعل كقوله‏:‏ ويوم شهدناه سليماً وعامرا *** قليل سوى طعن النهار نوافله

أو ‏(‏غير مكذوب‏)‏‏}‏ على المجاز كأن الواعد قال له‏:‏ أفي بك فإن وفى به صدقه وإلا كذبه فهناك استعارة مكنية تخييلية، وقيل‏:‏ مجاز مرسل بجعل ‏{‏مَكْذُوبٍ‏}‏ بمعنى باطل ومتخلف، أو وعد غير كذب على أن مكذوب مصدر على وزن مفعول كمجلود ومعقول بمعنى عقل وجلد فإنه سمع منهم ذلك لكنه نادر، ولا يخفى ما في تسمية ذلك وعداً من المبالغة في التهكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏66‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ‏(‏66‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا‏}‏ أي عذابنا أو أمرنا بنزوله، وفيه ما لا يخفى من التهويل ‏{‏نَجَّيْنَا صالحا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ‏}‏ متعلق بنجينا أو بآمنوا ‏{‏بِرَحْمَةٍ مّنَّا‏}‏ أي بسببها أو ملتبسين بها، وفي التنوين والوصف نوعان من التعظيم ‏{‏وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ‏}‏ أي نجيناهم من خزي يومئذٍ وهو الهلاك بالصيحة وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 58‏]‏ على معنى إنا نجيناهم، وكانت تلك التنجية من خزي يومئذٍ، وجوز أن يراد ونجيناهم من ذل وفضيحة يوم القيامة أي من عذابه، فهذه الآية كآية هود سواء بسواء‏.‏

وتعقب أبو حيان هذا بأنه ليس بجيد إذ لم تتقدم جملة ذكر فيها يوم القيامة ليكون التنوين عوضاً عن ذلك، والمذكور إنما هو جاء أمرنا فليقدر يوم إذ جاء أمرنا وهو جيد، والدفع بأن القرينة قد تكون غير لفظية كما هنا فيه نظر، وقيل‏:‏ القرينة قوله سبحانه فيما مر‏:‏ ‏{‏عَذَابُ غَلِيظٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 58‏]‏ وفيه ما فيه، وقيل‏:‏ الواو زائدة فيتعلق ‏{‏مِنْ‏}‏ بنجينا المذكور، وهذا لا يجوز عند البصريين لأن الواو لا تزاد عندهم فيوجبون هنا التعلق بمحذوف وهو معطوف على ما تقدم، وقرأ طلحة‏.‏ وأبان ‏{‏وَمِنْ خِزْىِ‏}‏ بالتنوين ونصب ‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ على الظرفية معمولاً لخزى، وعن نافع‏.‏ والكسائي أنهما قرآ بالإضافة وفتح يوم لأنه مضاف إلى إذ وهو غير متمكن، وهذا كما فتح حين في قوله النابغة‏:‏ على ‏(‏حين‏)‏ عاتبت المشيب على الصبا *** فقلت‏:‏ ألما أصح والشيب وازع ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ‏}‏ خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏هُوَ القوى العزيز‏}‏ أي القادر على كل شيء والغالب عليه في كل وقت ويندرج في ذلك الإنجاء والإهلاك في ذلك اليوم‏.‏